ابراهيم بن عمر البقاعي
459
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مزيد عليه لانتظام جميع أحوالهم ، هذا لمن أذعن للبينات لذات من أقامها أو للرغبة فيما عنده . ولما كان الإعراض بعد الإبلاغ في الإيضاح موجبا للرد عن الفساد بأنواع الجهاد ، قال مهددا وممتنا ترغيبا وترهيبا معبرا عن الخلق بالإنزال تشريفا وتعظيما : وَأَنْزَلْنا أي خلقنا خلقا عظيما بما لنا من القدرة الْحَدِيدَ أي المعروف على وجه من القوة والصلابة واللين والحدة لقبول التأثير يعد به كالبائن لما في الأرض ، فلذلك سمي إيجاده إنزالا ، ولأن الأوامر بالإيجاد والإعدام تنزل من السماء على أيدي الملائكة لأن السماء محل الحوادث الكبار ، والبدائع والأسرار ، لأن الماء الذي هو أصله وأصل كل نام ينزل من السماء وتكون الأرض له بمنزلة الرحم للنطفة . ولما وقع التشوف إلى سبب إنزاله ، قال : فِيهِ بَأْسٌ أي قوة وشدة وعذاب شَدِيدٌ لما فيه من الصلابة الملائمة للمضاء والحدة وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ بما يعمل منه من مرافقهم ومعاونهم لتقوم أحوالهم بذلك ، قال البيضاوي : ما من صنعة إلا والحديد آلتها . ولما كان التقدير : ليعلم اللّه من يعصيه ويخذل أولياءه ، بوضع بأسه في غير ما أمر به نصرة لشيطانه وهواه وافتنانه ، عطف عليه قوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ أي الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل إقامة الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم ، وأوقع ضمير الدين عليه سبحانه تعظيما له لأنه شارعه فقال : مَنْ يَنْصُرُهُ أي يقبل مجدا على الاستمرار على نصر دينه وَرُسُلَهُ بالذب عنهم والدعاء إليهم ، كاثنا ذلك النصر بِالْغَيْبِ من الوعد والوعيد ، أي بسبب تصديق الناصر لما غاب عنه من ذلك ، أو غائبا عن كل ما أوجب له النصرة ، وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : ينصرونه ولا يبصرونه - انتهى . فلم يدع سبحانه في هذه الآية لأحد عذرا بالرسل الذين هم الجنس مع تأييدهم بما ينفي عنهم اللبس ، والكتاب العالي عن كلام الخلق ، والعقل الذي عرف العدل ، والسلاح الذي يرد أولي الجهل ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت بين يدي الساعة بالسيف » « 1 » فبيان الشرائع بالكتاب ، وتقويم أبواب العدل بالميزان ، وتنفيذ هذه المعاني بالسيف ، فإن مصالح الدين من غير هيبة السلطان لا يمكن رعايتها ، فالملك والدين توأمان ، فالدين بلا ملك ضائع ، والملك من غير دين باطل ، والسلطان ظل اللّه في الأرض ، فظواهر الكتاب للعوام ، ووزن معارفه لأهل الحقائق
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 2 / 50 و 92 من حديث ابن عمر وإسناده حسن فيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فيه كلام . وللحديث شواهد كثيرة ، ولذا صححه العراقي في الإحياء ، وحسنه الحافظ في الفتح 10 / 230 وجوده ابن تيمية في الاقتضاء ص 39 .